نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نظرة على الحركات الانفصالية ومواقف الدول العظمى منها, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 08:41 صباحاً
في التاريخ السياسي الحديث والمعاصر، مثلت الحركات الانفصالية واحدة من أكثر الظواهر تعقيدا وإثارة للانقسام، لأنها لا تقوم فقط على مطالب الهوية أو المظلومية، بل ترتبط بشكل مباشر بتوازنات القوة الدولية وبنية النظام العالمي نفسه. فمنذ تفكك الإمبراطوريات الكبرى في أوروبا والشرق الأوسط بعد الحربين العالميتين، أصبح شعار «حق تقرير المصير» أداة سياسية تستخدم بمرونة شديدة، أحيانا لتكريس الاستقلال، وأحيانا أخرى لتفتيت الدول وإعادة هندسة مناطق النفوذ.
تاريخ الحركات الانفصالية يكشف أن النجاح لم يكن يوما نتيجة إعلان سياسي أو رغبة شعبية مجردة، بل ثمرة مسار طويل تتداخل فيه ثلاثة عناصر أساسية: شرعية داخلية واسعة وغير قابلة للطعن، ومسار قانوني معترف به دوليا، وتوافق أو قبول ضمني من القوى العظمى. حالات مثل استقلال النرويج عن السويد أو انفصال تشيكوسلوفاكيا سلميا تظهر أن الانفصال يصبح ممكنا عندما يتحقق توافق داخلي شامل ولا ينظر إليه كتهديد للاستقرار الإقليمي. في المقابل، تكشف تجارب أخرى مثل بيافرا في نيجيريا أو الشيشان في روسيا أن الإعلان الأحادي للانفصال، دون غطاء دولي أو توازن قوى داعم، غالبا ما ينتهي بالفشل أو الكلفة البشرية الهائلة.
مع تطور النظام الدولي بعد الحرب الباردة، برزت الاستفتاءات بوصفها الآلية «الأكثر شرعية» لتسويق مشاريع الانفصال. غير أن التجربة العملية أثبتت أن الاستفتاء لا يحمل قيمة حقيقية ما لم يحظ باعتراف الدولة الأم وموافقة القوى الكبرى. استفتاء أسكتلندا جرى ضمن إطار دستوري بريطاني واضح، ولذلك قبلت نتائجه مهما كانت، بينما استفتاء كاتالونيا، رغم المشاركة الشعبية الواسعة، تحول إلى عبء سياسي على قادته لأنه افتقر إلى الشرعية القانونية والدعم الأوروبي. أما استفتاء جنوب السودان، الذي يستشهد به كثيرا، فلم يكن نجاحه نتاج الإرادة الشعبية وحدها، بل نتيجة قرار دولي مسبق باعتبار الانفصال أقل كلفة من استمرار الحرب.
مواقف الدول العظمى من الحركات الانفصالية تكشف درجة عالية من الازدواجية. فهذه الدول ترفع شعار احترام وحدة الأراضي والسيادة، لكنها لا تتردد في دعم الانفصال حين يخدم مصالحها الاستراتيجية. الولايات المتحدة وحلفاؤها دعموا استقلال كوسوفو رغم رفض صربيا، بينما يرفضون أي نزعة انفصالية داخل دول حليفة لهم. روسيا دعمت انفصالات في فضائها السوفييتي السابق لتوسيع نفوذها، لكنها تحارب أي خطاب مشابه داخل حدودها. الصين تتعامل مع أي فكرة انفصالية بوصفها تهديدا وجوديا، وتستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي لمنع ترسيخ أي سابقة قد تستثمر ضدها مستقبلا. في جميع هذه الحالات، يتضح أن معيار القبول أو الرفض لا يقوم على المبادئ، بل على حسابات الاستقرار والنفوذ.
في ضوء هذا السياق التاريخي والدولي، يبرز إعلان حكومة جنوب اليمن كحالة إشكالية تعاني من إفلاس سياسي وقانوني واضح. فعلى الرغم من امتلاك الجنوب اليمني تجربة دولة سابقة قبل الوحدة عام 1990، فإن هذا الإرث التاريخي لا يكفي وحده لتأسيس مشروع انفصالي قابل للحياة. الإعلان لم يستند إلى استفتاء شعبي شامل، ولا إلى توافق جنوبي جامع، بل صدر في ظل انقسام داخلي عميق وتعدد مراكز القوة المسلحة، وهو ما يضعف أي ادعاء بالتمثيل الشرعي.
الأخطر من ذلك أن الإعلان جاء في سياق حرب أهلية وانهيار مؤسسات الدولة، ما يجعله أقرب إلى إعلان سلطة أمر واقع منه إلى مشروع تقرير مصير مكتمل الأركان. التجارب الدولية تظهر أن الانفصال في بيئات الدولة الفاشلة غالبا ما يؤدي إلى مزيد من التفكك، لا إلى الاستقرار. النموذج الليبي أو الصومالي حاضر بقوة هنا، حيث تحولت الكيانات المحلية المتنافسة إلى بوابات مفتوحة للتدخلات الخارجية والصراعات بالوكالة.
من الناحية الدولية، يعاني الإعلان الانفصالي في جنوب اليمن من عزلة شبه كاملة. القوى الكبرى، بما فيها تلك المنخرطة في الملف اليمني، لا ترى في تفكيك اليمن خيارا عمليا، بل تخشى أن يؤدي ذلك إلى خلق فراغ أمني دائم في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيا على باب المندب وخطوط التجارة العالمية. لذلك، يظل الدعم الخارجي للطرح الانفصالي محدودا ومرتبطا باعتبارات تكتيكية مؤقتة، لا باعتراف سياسي أو قانوني حقيقي. هذا النوع من الدعم، كما تظهر تجارب عديدة، سرعان ما يتبدد عندما تتغير المصالح أو تتبدل التحالفات.
خطورة إعلان حكومة جنوب اليمن لا تكمن فقط في ضعفه القانوني، بل في ما يفتحه من مسار تفكيكي أوسع. فإذا جرى تكريس منطق الانفصال دون إطار دستوري جامع، فإن ذلك يشجع مناطق وقوى أخرى على السير في الاتجاه ذاته، ما يعني عمليا نهاية أي إمكانية لإعادة بناء دولة يمنية مستقرة. بهذا المعنى، لا يعد الإعلان حلا للأزمة، بل تعميق لها، لأنه ينقل الصراع من مستوى سياسي قابل للتسوية إلى صراع هويات وحدود وسيادة يصعب احتواؤه.
في المحصلة، يظهر تاريخ الحركات الانفصالية أن الإعلانات الأحادية، مهما حملت من شعارات أو استندت إلى مظالم حقيقية، غالبا ما تنتهي إلى الفشل عندما تطرح في توقيت خاطئ وبيئة مضطربة ومن دون اعتراف دولي. وبالمقارنة مع هذا التاريخ، يبدو إعلان حكومة جنوب اليمن خطوة عالية المخاطر ومحدودة الأفق، تفتقر إلى الأسس القانونية والسياسية والاقتصادية التي تجعل منها مشروع دولة قابلة للحياة. بدل أن يكون مدخلا لحل جذري، يتحول هذا الإعلان إلى عامل إضافي في إطالة أمد الصراع، وتعميق الانقسام، وإغراق اليمن أكثر في دوامة التفكك وعدم الاستقرار.
MBNwaiser@






0 تعليق