نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فنزويلا بين الحتمية الجيوسياسية ووهم الانتقال السلس: عندما يكتب تغيير النظام قبل وقوعه, اليوم الخميس 8 يناير 2026 01:12 صباحاً
في قراءة متأنية للمشهد الفنزويلي، لا يمكن التعامل مع ما جرى بوصفه حدثا مفاجئا أو نتيجة ظرف عابر. ما حدث هو تتويج لمسار طويل من التآكل السياسي، والعزلة الدولية، والتشابك بين السلطة والجريمة المنظمة، ضمن بيئة إقليمية ودولية كانت تنتظر لحظة الانفجار. من هذا المنطلق، تبدو فنزويلا اليوم مثالا كلاسيكيا على «تغيير نظام كان متوقعا»، لا لأنه حتمي أخلاقيا، بل لأنه أصبح، في نظر القوى الكبرى، ضروريا استراتيجيا.
منذ صعود «التشافيزية»، تحولت فنزويلا من دولة نفطية ذات وزن اقتصادي معتبر إلى ساحة صراع مفتوحة بين الأيديولوجيا والواقع. المشروع الذي بدأ بشعارات العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني انتهى إلى دولة منهكة،
اقتصادها منهار، مؤسساتها مشلولة، ومجتمعها منقسم على ذاته. هذا الانحدار لم يكن نتيجة العقوبات فقط، بل نتيجة تراكم طويل من سوء الإدارة، وتسييس الجيش، وربط بقاء النظام بشبكات تهريب وتحالفات غير تقليدية.
في هذا السياق، لم يعد نيكولاس مادورو مجرد رئيس مثير للجدل، بل تحول في الخطاب الأمريكي والغربي إلى رمز لمنظومة تهديد مركبة: دولة مخدرات، منصة نفوذ لقوى خصمة، ومصدر عدم استقرار إقليمي. لذلك، فإن التعامل معه لم يقدَم باعتباره مسألة ديمقراطية أو حقوقية، بل كملف أمني واستراتيجي بامتياز. هنا تحديدا تتغير قواعد اللعبة، ويتراجع الخطاب الأخلاقي لصالح منطق القوة والمصلحة.
من زاوية واشنطن، لا يمكن فصل الحالة الفنزويلية عن عودة التفكير الجيوسياسي الكلاسيكي في نصف الكرة الغربي. لسنوات، بدا أن الولايات المتحدة تخلت عمليا عن منطقتها الحيوية، منشغلة بالشرق الأوسط، ثم بالصين وروسيا. لكن تراكم النفوذ الروسي، والحضور الصيني الاقتصادي، والدور الإيراني المتنامي في فنزويلا، أعادت إحياء منطق «الخطوط الحمراء» في الجوار القريب. ليس لأن هذه القوى تهدد فنزويلا بحد ذاتها، بل لأنها تستخدمها كنقطة ارتكاز داخل المجال الأمريكي التقليدي.
من هنا، فإن إسقاط النظام، أو تحييد رأسه، يفهم كرسالة استراتيجية قبل أن يكون إجراء قانونيا. الرسالة موجهة إلى الخصوم قبل الحلفاء: أمريكا لا تزال قادرة على الفعل، وقادرة على فرض كلفة عالية على من يتحدى نفوذها في مناطق تعتبرها حساسة. هذا المنطق يعيد إلى الأذهان صدى «مبدأ مونرو» بصيغته الحديثة، حيث لا يتعلق الأمر بالاستعمار أو الوصاية، بل بمنع تشكل بؤر نفوذ معاد قرب المجال الحيوي الأمريكي.
غير أن المقال، وما يعكسه من قراءة واقعية، لا يقع في فخ الاحتفاء الساذج بتغيير النظام. فالتاريخ، خصوصا في أمريكا اللاتينية، مليء بأمثلة تظهر أن إسقاط القيادة أسهل بكثير من بناء الدولة. فنزويلا اليوم ليست دولة موحدة تنتظر فرصة للانتعاش، بل كيان منهك، تتقاسمه شبكات مصالح، وولاءات عسكرية، وانقسامات اجتماعية عميقة. أي فراغ في السلطة قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدا، من الفوضى، إلى الصراع الأهلي، أو حتى عودة نفوذ القوى نفسها بواجهات جديدة.
الأكثر حساسية هو البعد الشعبي. ملايين الفنزويليين يعيشون خارج البلاد، وملايين آخرون داخلها فقدوا الثقة بكل النخب، سواء الحاكمة أو المعارضة. هذا الإرهاق الجمعي يجعل عملية الانتقال محفوفة بالمخاطر، لأن الشرعية لا تستعاد بالبيانات، بل بإعادة بناء الاقتصاد، وضبط الأمن، واستعادة الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. دون ذلك، سيبقى أي نظام جديد هشا، ومعرضا للسقوط أو الارتهان.
إقليميا، يحمل المشهد الفنزويلي دلالات أوسع. الرسالة إلى الأنظمة الراديكالية في المنطقة واضحة: المظلة الدولية ليست أبدية، والتحدي المفتوح للقوى الكبرى له كلفة متأخرة لكنها قاسية. وفي المقابل، الرسالة إلى الحكومات المعتدلة أن واشنطن عادت لتفضيل الحسم على إدارة الأزمات، ولو بوسائل صادمة. هذا التحول قد يعيد رسم التوازنات في أمريكا اللاتينية، لكنه أيضا قد يفتح نقاشا جديدا حول السيادة وحدود التدخل.
في التقييم النهائي، ما جرى في فنزويلا ليس انتصارا للديمقراطية بقدر ما هو انتصار لمنطق القوة في لحظة دولية مضطربة. هو تذكير بأن النظام الدولي، مهما تجمل بالشعارات، يتحرك في لحظات الحسم وفق حسابات النفوذ والأمن والمصالح. نجاح هذه الخطوة، أو فشلها، لن يقاس بسقوط مادورو، بل بما إذا كانت فنزويلا قادرة على الخروج من دوامة الدولة الفاشلة إلى أفق الاستقرار. وحتى الآن، يبقى هذا السؤال مفتوحا، ومحاطا بكثير من الشك، وقليل من اليقين.
mr_alshammeri@

















0 تعليق