أثرياء الراتب

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أثرياء الراتب, اليوم الخميس 8 يناير 2026 01:12 صباحاً


في الواقع الاجتماعي الاقتصادي السعودي، ينظر إلى الراتب المرتفع بوصفه مرادفا مباشرا للثراء والاستقرار، حتى بات مقدار الدخل الشهري معيارا اجتماعيا للحكم على الوضع المالي للفرد، غير أن هذا التصور، على شيوعه، يخفي خللا جوهريا بين مفهوم الدخل ومفهوم الثروة، وينتج فئة يمكن وصفها بـ«أثرياء الراتب»؛ أولئك الذين يبدون في موقع مالي متقدم، بينما يعتمدون في حقيقتهم على مصدر واحد هش لا يملك مقومات الاستدامة.

تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء وتقارير الاقتصادية المتخصصة في المملكة إلى أن معدلات الادخار الأسري لا تزال محدودة، رغم تحسن مستويات الدخل خلال السنوات الأخيرة، فجزء معتبر من الأسر السعودية ينفق ما يقارب 60 إلى 70% من دخله الشهري على متطلبات المعيشة والالتزامات الثابتة، ما يترك هامشا ضيقا للادخار أو الاستثمار، حتى لدى أصحاب الرواتب المرتفعة، ومع كل زيادة في الدخل، يتضخم نمط الإنفاق بوتيرة مماثلة، فتتحول الزيادة من فرصة لبناء ثروة إلى وقود لأسلوب حياة أعلى تكلفة، في ظاهرة معروفة اقتصاديا بتضخم نمط المعيشة.

المشكلة لا تكمن في ارتفاع الراتب ذاته، بل في التعامل معه بوصفه أصلا ماليا لا دخلا زمنيا، فالراتب مرتبط بعمر وظيفي محدود، وبصحة الفرد، وبقرارات تنظيمية أو اقتصادية لا يملك التحكم فيها ومع ذلك، تبنى الالتزامات طويلة الأجل على افتراض استمراره دون انقطاع، من قروض سكنية، وتمويل استهلاكي، ونفقات ثابتة يصعب خفضها عند تغير الظروف وفي هذه الحالة، لا يعود الراتب أداة أمان، بل يتحول إلى نقطة ضعف مؤجلة.

تتضح هذه الهشاشة بصورة أكبر عند التقاعد؛ ففي السعودية، ينخفض دخل كثير من المتقاعدين مقارنة بمرحلة العمل، ما يفرض فجوة مالية واضحة على من لم يراكم مدخرات أو أصولا مدرة للدخل خلال سنوات الخدمة، وهنا تظهر المفارقة القاسية: سنوات طويلة من دخل مرتفع انتهت دون بناء قاعدة مالية قادرة على حماية مستوى المعيشة بعد توقف الراتب، فيتحول الانتقال إلى التقاعد من مرحلة طبيعية إلى صدمة اقتصادية واجتماعية.

الثراء الحقيقي لا يقاس بحجم الراتب، بل بقدرة الدخل على إنتاج دخل آخر مستقل عنه، وجود استثمارات، أو مشاريع جانبية، أو أصول مالية تعمل في صمت، هو ما يصنع الفارق بين من يغادر سوق العمل بأمان، ومن يخرج منه مثقلا بالالتزامات أما الاعتماد على الراتب وحده، مهما بلغ، فهو في جوهره تأجيل للمشكلة لا حلا لها.

الخطر الأكبر الذي يواجه «ثري الراتب» ليس انخفاض الدخل المفاجئ، بل الاطمئنان الكاذب، فالسنوات التي تمر دون ادخار أو استثمار لا يمكن استعادتها، وحين يتوقف الراتب يتوقف معه وهم الثراء وعندها، لا يكون السؤال المؤلم: لماذا انخفض دخلي؟ بل لماذا لم يتحول هذا الدخل يوما إلى ثروة؟

فالراتب المرتفع قد يمنح رفاهية آنية، لكنه لا يبني أمانا ماليا مستداما. ومن يبني حياته على دخل واحد، مهما بدا كبيرا، لا يعيش في استقرار مالي حقيقي، بل على حافة انكشاف مؤجل. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: كم راتبك اليوم؟ بل: كم سيبقى لك غدا حين يتوقف؟

azizomraan@

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق