نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تكتب الثقافة ملامح المدن, اليوم الخميس 8 يناير 2026 02:02 صباحاً
هكذا فقط يمكن فهم التحول العميق الذي تعيشه مدننا اليوم، حيث أصبحت الثقافة جزءا أصيلا من هندسة المدينة، ومن فلسفة العمل البلدي، ومن مشروع أنسنة المكان.
في الماضي، كان المثقف يتغزل بالمدينة من بعيد، ويرسم الفنان ملامحها على هامش الحياة اليومية. اليوم، صارت الثقافة في قلب المشهد: في الساحة، في الشارع، في الجدار، في الواجهة، في الفضاء العام، وفي علاقة الناس بمدينتهم. تحولت من فعل فردي إلى وعي حضري.
في جدة، لا تمر على أحيائها القديمة دون أن تشعر أن المباني تتكلم؛ الشرفات، النوافذ، الأبواب الخشبية، والبحر الذي لا يزال يحرس الذاكرة. كل ذلك يصنع وجدان المدينة قبل أن تصنعه المخططات.
وفي الرياض، حيث تتشكل المدينة بوتيرة سريعة، تتقدم الفنون البصرية، والساحات العامة، والفعاليات المفتوحة لتمنح المشهد الحضري روحا لا تستطيع الخرسانة وحدها أن تمنحها.
هنا يلتقي العمل البلدي بالثقافة، ليس بوصف الثقافة نشاطا مرافقا، بل باعتبارها أداة تصميم حضري ناعمة، تعيد تعريف علاقة الإنسان بالمكان، وتجعل المدينة مساحة حياة لا مجرد حيز سكني.
حين تفتح الساحات للفنون، وحين تتحول الجدران إلى لوحات، وحين تصبح الفضاءات العامة منصات للناس لا ممرات عبور فقط، تبدأ المدينة في استعادة إنسانيتها.
وهذا هو جوهر أنسنة المدن:
أن يشعر الساكن أن مدينته تشبهه، تسمعه، وتحفظ له ذاكرته الصغيرة وسط التحولات الكبرى.
ليست التنمية أن نكثر المباني، بل أن نحسن الحياة بينها. وليس نجاح المدينة في ارتفاع أبراجها، بل في عمق علاقتها بأهلها.
في هذا المشهد، لا تصبح الثقافة ترفا، بل ضرورة حضرية، ويغدو العمل البلدي شريكا في تشكيل الوعي، لا مجرد جهة خدمات.
وهكذا تبنى المدن الحديثة: بالعقل، وتدار بالتنظيم، لكنها لا تحيا إلا بالثقافة.
نقطة تحت السطر:
المدينة تحيا بالثقافة، وتقاس إنسانيتها بقدرتها على احتضان الإنسان قبل البنيان.

















0 تعليق