طريق الحج الشامي عبر العلا، خيبر والمدينة المنورة (درب زبيدة الخامس/2)

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
طريق الحج الشامي عبر العلا، خيبر والمدينة المنورة (درب زبيدة الخامس/2), اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026 12:51 مساءً

كنت في المقال السابق قد بدأت بقص مغامرة درب زبيدة الأخيرة في فبراير الماضي 2025 في منطقة حائل (فيد-سميراء) (شمال المملكة العربية السعودية) وما تلاها من محاولة الوصول إلى "محجة عنزة"، الأعجوبة الطبيعية، غرب حائل، وما رافقها من بنشرة سيارة في قلب الصحراء، حتى تم إنقاذنا من أحد رجال البادية الذي قادنا إلى المحجة ومن ثم عدنا معه إلى الطريق المعبد بالسلامة. وبعد إصلاح السيارة المبدئي أكملنا طريقنا غربا إلى العلا ونحن في غاية الانتشاء بعد هذه المغامرة التي تكللت بالسلامة ولله الحمد.

ولم نصل العلا إلا وقد أطبق الظلام علينا، لكن الطريق إلى المزرعة التي وضعت عيني عليها كان سالكا والغرف جاهزة وشجرة الطلح المعمرة تنتظرنا متوسطة ساحة ضخمة من الفراغ الحجري الذي تلفه جبال العلا الجيرية بتكويناتها الجميلة وبساتين البرتقال والنخيل، وخيمة السمر تنتظرنا، حتى طلع الصباح ونفاجأ بجمال المكان وسحره من خلف الستائر وأمامها.

وكان أجمل ما في ذلك الصباح الإفطار في "شلال" وهو عبارة عن مساحة خفية محصورة في وسط الجبال نصل إليها بعد المرور بشق في الجبال يبلغ طوله حوالي مئة متر لينفتح على حضن سري في الجبال تزينه بعض أشجار السمر وكشك السيدة التي تدير مقهى شلال والإفطار الشهي من الفول والشكشوكة والجبنة والزيتون والمربى والشاهي بالحليب، والصقيع الذي تركنا مع ثلاث درجات مئوية نحاول أن نبحث عن وسيلة للتدفئة دون جدوى، وكانت الصديقة الهولندية هي الأكثر تأثرا وارتجافا بعد أن صدقت إشاعة أن السعودية بلد الصحراء والشمس فقط فتخففت في حقائبها حتى كفوفا لم تحضر معها وأعرتها ما لدي.

كانت مرحلتنا التالية الوصول إلى معرض للقيمة السعودية الفنانة حفصة الخضيري التي أكرمتنا بتمديد معرضها إلى صباح 25 فبراير، والتقانا عندها زميل آخر تركي قادم من فيتنام، لم يتمكن الانضمام إلى درب زبيدة فلحقنا في العلا ونجح في أن يبدأ معنا بزيارة هذا المعرض الاستثنائي من أعمال فنانين وفنانات سعوديات وموضوع "أعمال تحت الإنجاز"، فكانت اللوحات والأعمال عبارة عن مشاركة للأعمال في مرحلة ما قبل الاكتمال، لكن فكرتها تقوم على أن العمل عليها مستمر، وهو جزء من إبداع شاباتنا وشبابنا الحديث في مجال الفن الذي أخذ يبرعم في كل اتجاه.

وشملت الزيارة التمشي تحت شمس شتاء البلدة القديمة والاستمتاع بالجلوس على مقاهيها المتباهية بأفكارها التراثية. وهنا افترقنا حيث إن قصة السيارة لم تنته وإصلاحها يتطلب انتظار قطع غيار تطلب من حائل، فأثار هذا شهيتنا للضحك، ففضل فريق السيارة العودة بها إلى حائل لإصلاحها مباشرة هناك والتضحية ببرنامج العلا وما وراءها.

العلا تمثل لي تاريخا طويلا من العمل البحثي، ليس على جزء ددان منها وإنما الحجر/ مدائن صالح أيضا، التي ما فتئت منذ بدأت مرحلة دراساتي العليا وأنا أبهر بما تخبئه وراء نقوشها وحليات مقابرها ونصوص نسائها من أسرار.

وأكملت في مرحلة الدكتوراه التخصص فيها وفي المرأة النبطية بالتحديد لتكون مدائن صالح وفضاؤها فضائي وعالمي. وبالطبع كانت زيارتي الأولى لها في فترة تاريخية أخرى، حيث لم يكن هناك مطار ولا فندق ولا مطاعم ولا زيارة مفتوحة للمواقع، أو بالأحرى كانت الزيارة مفتوحة لددان ومقابرها لكن ليس للحجر التي كانت مسورة وعليها بوابة وحارس والدخول بتصريح حصلت عليه من وكالة الآثار، التي كان يشرف عليها وقتها الدكتور سعد الراشد الذي فتح لي مشكورا كل أبواب المتاحف والمواقع الأثرية.

لكن زيارتنا هذه المرة كانت مختلفة، كنت كالسياح، نسجل في التطبيق وندفع الرسوم ثم نحضر عند موقع تحرك الحافلة التي ستنقلنا إلى موقع الحجر أو ددان. كانت لي ولحسن الحظ زيارات أخرى خاصة، وذلك بعناية من الهيئة الملكية لمحافظة العلا التي ساعدتني في الوصول إلى هذه المواقع في أماكن غير سياحية كجزء من البحوث التي أجريها على تاريخ الأنباط، وقائمة من يستحقون الشكر طويلة ولعلي أختصرها في الدكتورة منيرة المشوح، مديرة المسوحات الأثرية في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، الممتلئة حماسا واهتماما وعملية ومهنية بكل عمل يصب في مصلحة تاريخنا وتراثنا، مذللة أمامي كل صعوبة في الوصول للقطع الأثرية الأم. فحرصت على تجربة الاثنين للتعرف على ما يقوم به أيضا شبابنا من عمل إرشادي جميل لهذه المواقع التي أصبحت تستأثر بعدد كبير من خريجي السياحة والآثار.

ومن يصل إلى العلا ويزور الخريبة وددان والحجر والبلدة القديمة يتبقى عليه أن ينطلق إلى ما حولها.. وإلى الشمال من العلا وعلى الطريق إلى تبوك نجد موقعا طبيعيا عجيبا يطلق عليه اسم "الغراميل" وهو عبارة عن تكوينات صخرية نحتتها الرياح وتركتها كالأعمدة ترتفع أمتارا عظيمة حينا وتنخفض حينا آخر، وتنتشر على مساحة واسعة على يمين الطريق إلى الداخل بعدة كيلومترات، وقد تحول إلى موقع لمحبي تأمل النجوم، حيث استثمر عدد من شركات السياحة الموقع في مخيمات لمحبي النوم تحت السماء المتلألئة وتأمل خيالات هذه التشكيلات التي كثيرا ما وصفت بشبيه المشي على القمر.

أما آخر يوم في العلا وفي طريقنا البري إلى المدينة المنورة عن طريق خيبر، فقد توقفنا في وادي النعام الذي اشتهر بصيد النعام فيه، والذي لا يبعد كثيرا عن جبل عكمة بل يقع في الجانب الغربي من كتلة جبل عكمة الجبلية، وخضنا التجربة العجيبة التي طرحتها الهيئة الملكية للعلا، والتي كانت تعني الوصول إلى الموقع داخل الوادي في عربات دفع رباعي من نوع خاص كأنها دبابات تتطلب ارتداء خوذة خاصة وتربيطا في المقعد بشكل إكس، وتحمل الاهتزازات والسرعة التي تسير بها هذه السيارات على الأرضية الحجرية وداخل الوادي إلى حيث الجدارية الصخرية الضخمة في المرتفع أمامنا، والتي تمتلئ بعشرات الرسومات للنعام بأحجام مختلفة، ومن بعدها نمشي مسافات في الأودية الضيقة حيث العديد من الكتابات اللحيانية والددانية منتشرة على جانبيه، لكن التجربة كانت تتضمن أيضا لعبة في البحث عن أثر تنتهي بالحصول على جائزة تناسب المجموعات المتنوعة من السياح في أجواء حماسية.

لكن هذه الفعالية بحاجة إلى تطوير لخدمات علاقات العملاء، حيث إن طبيعة التجربة لم تكن واضحة في إعلان حجزها وشرائها ولم يكن هناك وضوح حول العربة التي سيركبها الزوار، أو تحذير من فئات معينة من حجزها وركوب عرباتها كمن لديه مشكلة في الظهر أو الرقبة إلخ، فواجهنا هذه المشكلة مع إحدى صديقاتنا التي لا يمكن أن تغامر بظهرها مع هذه العربات التي من الواضح أن اهتزازها لن يجعلها تخرج بسلام، وطلبنا حلا آخر وعربة عادية ولكنه لم يتوفر لديهم وليست ضمن التجربة، فطلبت استرداد الرسوم التي تبلغ مئتي ريال، لكنهم حولونا للتواصل مع التطبيق، وطيلة شهر كامل وأنا أتراسل معهم وأتفاوض وأشرح إلا أنهم كانوا مصرين على أنهم غير مسؤولين عن هذا، وأنه كان قرارنا بأن تركب أو لا تركب، وهي لم تركب.

وتمسكوا برأيهم بشكل غير مهني، ومضيت وأنا غاضبة من أسلوب التعامل هذا وكان المعول على أن أمل من المراسلة والرد عليهم وهو ما حدث. وأرى أن الهيئة الملكية بحاجة إلى مراجعة آلية تدريب هذه الفئة من الموظفين والموظفات ممن لا يعرفون كيف يكسبون العملاء ويعترفون بالخطأ ويحاولون إصلاحه. فلو ركبت الصديقة وأصابها شيء لتحملت الهيئة الملكية مسؤولية لا قبل لهم بها سواء ماديا أو إعلاميا، وفي الحالتين فيما حدث إساءة إلى سمعتهم وطريقة تعاملهم مع السياح وهذا نحن أهل البلد فما بالنا بالغرباء؟ إن هناك ضرورة للإحساس بالمسؤولية لدى هذه المؤسسات السياحية الناشئة واتخاذ كل آليات المحافظة على السلامة بالتحذير الواضح لكل من يسجل في هذه التجارب سواء من الناحية الصحية أو العمرية، وإدراك آلية التعامل لكسب العميل وليس لضمان الكسب المادي فحسب، فهو محدود في ظل خسائر السمعة والمصداقية.

كانت وجهتنا التالية لننهي اليوم الأخير، خيبر، فانطلقنا من العلا على درب الحج الشامي، باتجاه خيبر على الطريق الزراعي، نتوقف عند كل محطة من محطات القطار القديمة وعليها لوحة التأريخ العثمانية تحمل الشكل المعماري الجميل نفسه، مما يؤهلها لكل أشكال التطوير وإعادة الاستخدام التراثي، لكنه طريق يفتقد لأي محطة وقود، مما شكل أزمة حتى لم يعد بيننا وبين خيبر سوى بضعة أميال، وعثرنا على محطة ما زالت ترفع لوحاتها.

خيبر بدت من بعيد بمزارعها وحجارتها البركانية السوداء في الأفق مغرية بالاكتشاف، لكننا للأسف لم نتمكن من الدخول إلى الحصون القديمة، نظرا لأنها كانت تحت الترميم، فوصلنا إلى أقرب الأماكن المطلة على البلدة القديمة لنختلس النظر والصور، وكانت خلابة مع أفق الغروب. وأذكر أني مررت بها أثناء رحلتي العلمية قبل حوالي خمسة وعشرين عاما وصعدت حصن القموص المبني على قمة الجبل، وكانت بلدة صغيرة آنذاك.

وبعد أن قنعنا بكل ما شاهدناه أكملنا المسير إلى المدينة المنورة، الهدف الذي وجدنا أنفسنا ننقاد إليه. ووصلناها وعلى ساكنها ألف صلاة وأكمل تسليم، على وقت أذان العشاء ونحن نبحث عن موقف للسيارة في مواقف الحرم المدني.

كان شرفا كبيرا لنا جميعا أن تنتهي هذه المغامرة في هذا المكان العامر بالروحانية والضياء لندعو ما شاء لنا ونستغفر ما بوسعنا، عسى الله أن يتقبله منا، ثم اتجهنا إلى المطار كل واحد منا إلى وجهته ليعود إلى العالم الواقعي. وهكذا كانت رحلة درب زبيدة الخامسة بالنسبة لي التاسعة لقوافل دروب، كشف مستمر وخبر متواصل في قدراتنا وشغفنا وذاكرتنا مع كل أطراف الطبيعة والتاريخ وإنسانها في جزيرتنا الحبيبة.

وتنطلق قافلة درب زبيدة العاشرة هذا الأسبوع (8-12 يناير2026)، التي ستفوتني، على الدرب المار بمحمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، فطريقكم السلامة وألحقكم العام المقبل بإذن الله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق