فخ الخبرة وسنارة التجربة

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فخ الخبرة وسنارة التجربة, اليوم الثلاثاء 3 فبراير 2026 12:51 صباحاً

في زمن السرعة والميديا، حيث تتسارع الأخبار وتتلاطم في لحظة بل قل برهة، وتنتقل القصص من شاشة إلى أخرى ربما قبل أن نكمل قراءة العنوان، يبدو العالم وكأنه يلهث بلا هوادة. الشوارع، مكاتب العمل، الهواتف النقالة، وحتى تفاصيل يومنا، جميعها تتسابق مع الوقت.

كل إشعار يطالب بالانتباه، وكل رسالة تختبر قدرتنا على اللحاق بالإيقاع المتسارع. القرارات أضحت فورية، والتجارب الإنسانية تختزل في ثوان. نحاول التقاط كل شيء: البيانات، الصور، التعليقات، والتحليلات، نصبح عائمين في تدفق غير منته من المعلومات، دون أن نلحظ كيف ينزف الوقت من أعمارنا المهنية والشخصية خلسة.

وفي خضم المتغيرات، يصبح الفارق بين من يتماهى مع التحول ومن يتكئ على خبرته القديمة مسألة مصير، إلى ذلك يكمن السؤال: هل الخبرة وحدها تكفي، أم أن التعلم المستمر هو طوق النجاة الحقيقي في هذا السباق المحموم إن جاز الوصف؟

من وسط المنظومة المهنية، يمتاز موظف دؤوب، كابد العمل، يبطن أكثر مما يظهر، يحمل على عاتقه خبرة سنين طوال. يتقن القواعد المكتوبة والضمنية، لماح يقرأ الإشارات وربما الإيماءات ويحسن أدبيات الحديث ومواضع الصمت، خبرته تمنحه المكانة والثقة، لكن العالم من حوله يتحرك بإيقاع مختلف؛ شاشات تسابق الفهم، وتقنيات جديدة تفرض حضورها وحظوتها دونما جدال أو شك.

هو لا يعارض هذا التحول، بل يراقبه عن بعد، متشبثا بما آلفه واعتاده، محاولا بلا كلل أو ملل أن يفهم كيف يمكن لخبرته المتراكمة أن تجد موطئ قدم في زمن لا ينتظر أحدا. بطبيعة الحال تلك ليست تهمة ولا نقيصة، لكن كيف يمكن للخبرة العميقة أن تتسق وتضارع نبضا متسارعا دون أن تفقد قيمتها.

العالم المهني اليوم لا يقصي أصحاب التجارب الطويلة، لكنه يختبر قدرتهم على المواكبة والتساوق، وعلى إعادة تعريف أدوارهم في مشهد متغاير أكثر من أي وقت مضى. مواءمة هذه المتغيرات هي مهارة مكتسبة. فحين تتحول الخبرة إلى مساحة أمان، تصبح فخا يطمئن صاحبه لكنه يحد من حركته. مواكبة هذه المتغيرات ليست تخليا عن التجربة، بل سنارة تعيد جرها إلى الحياة. كأن يتعلم الموظف أداة جديدة، أو يفهم لغة منصات مختلفة، تضاف لخبراته، وتحافظ عليها من التلاشي والاندثار.

ختاما، لا يقاس الثقل المهني بما راكمناه من سنوات، بل بقدرتنا على الإفلات من فخ الخبرة، والتشبث بسنارة التعلم المستمر والاستئناس بالنهل من كل معلومة. وتأسيسا على ما تقدم يصح القول: إن الخبرة التي لا تعتورها صبغة علمية لا تستقيم وتنهض لا بل تتصحر وتبور، وتصبح لا محالة فخا، والتجربة التي نجرؤ على خوضها تتحول إلى سنارة نجاة تنتشلك إلى حيث مستقبل أفضل.

أخبار ذات صلة

0 تعليق