نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ماذا تعلمنا من سنغافورة ولندن وسيول؟ نموذج مقارن لحركة المدن العالمية, اليوم الأحد 1 فبراير 2026 11:01 مساءً
عندما نبحث عن مدن استطاعت أن تتجاوز ازدحامها، وأن تعيد ضبط علاقتها بالمكان والحركة والإنسان، نجد ثلاث تجارب أصبحت أشبه بـ(مختبرات حضرية مفتوحة): سنغافورة، لندن، وسيول. هذه المدن لم تتغلب على الازدحام فقط، بل أعادت تعريفه باعتباره مؤشرا على صحة المدينة وقدرتها على التفكير وإدارة ذاتها. وما يجمع بينها جميعا هو أنها لم تبدأ من الطرق، بل من الفهم المكاني - السلوكي الذي يشكل جوهر منهجية WSMA وفلسفة «المنطق المكاني» Spatial Logic.
سنغافورة، على سبيل المثال، ليست مدينة ضخمة المساحة، ومع ذلك تحولت إلى واحدة من أكثر المدن كفاءة على مستوى العالم. لم تبن طرقا بلا نهاية؛ بل بنت نموذجا متكاملا لإدارة الحركة يعتمد على ثلاثة أعمدة: بيانات عالية الدقة تحدث لحظيا. وتوأم رقمي حضري يقرأ سلوك الرحلات اليومية. وسياسات تنظيمية واقتصادية تجعل عدد المركبات متوازنا مع قدرة البنية التحتية.
سنغافورة تعاملت مع الحركة بوصفها «لغة» تقرأ وتفهم، لا حالة فوضوية يستجاب لها بعد وقوعها. وكأن المدينة تقول: المشكلة ليست في السيارات، بل في قدرتنا على قراءة ما لا يرى. وهذا جوهر الهندسة الجيومكانية الحديثة.
أما لندن، فقد واجهت تحديا مختلفا؛ مدينة ذات تاريخ عمراني طويل، وشبكة شديدة التعقيد، وملايين الرحلات اليومية. ورغم ذلك استطاعت بناء نموذج يعيد تعريف العلاقة بين الحركة والسلوك.
نظام Congestion Charge لم يكن إجراء ماليا فحسب، بل مشروع اجتماعي غيّر الطريقة التي تتحرك بها المدينة. فقد استخدمت لندن الخرائط التحليلية والبيانات الزمنية لخلق صورة واضحة للحركة اليومية، ومراقبة «الذروة السلوكية»، ومعرفة كيف يتعامل السكان مع النقل العام والطرق البديلة.
وبدلا من التعامل مع الازدحام كظاهرة مرورية، تعاملت معه بوصفه سلوكا اجتماعيا اقتصاديا يمكن إعادة تشكيله.
ثم تأتي سيول، التجربة الأكثر جرأة. هذه المدينة لم تكتف بتحسين شبكاتها، بل أعادت بناء نفسها جزئيا. حين أزالت الحكومة الكورية طريقا مرتفعا كان يقسم المدينة، واستبدلته بنهر حضري وممشى عام، لم يكن القرار تجميلا، بل خطوة مبنية على نماذج تنبؤية كشفت أن إعادة تشكيل الفضاء ستعيد توزيع الحركة بطرق أكثر عدالة وكفاءة. سيول أثبتت أن الهندسة الجيومكانية قادرة على كشف ما لا تستطيع العين رؤيته، وأن تغيير الفضاء يمكن أن يعيد هندسة السلوك الحضري.
وعند وضع هذه التجارب الثلاث بجانب بعضها، تظهر حقيقة لافتة: المدن التي تنجح ليست تلك التي تبني أكثر... بل تلك التي تفكر بعمق أكبر. السر لا يكمن في عدد الجسور أو اتساع الطرق، بل في: قراءة الحركة وتحليلها، وفهم علاقة السلوك بالمكان، وتصميم حلول تعتمد على البيانات الواقعية، وتحويل المدينة إلى كيان ديناميكي يتعلم باستمرار.
وهنا تتقاطع منهجية WSMA مع التجارب العالمية: المدينة التي تفهم نفسها، تستطيع أن تصلح نفسها.
سنغافورة بدأت بالبيانات. لندن بدأت بالسلوك. سيول بدأت بالفضاء.
لكنها جميعا وصلت إلى النتيجة ذاتها: مدينة ذكية ترى نفسها وتفهم سكانها وتعيد تشكيل حركة الحياة كجزء من جودة الحياة.
وماذا عن المملكة؟ هنا يبرز الدور المركزي للهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA، التي تعمل على بناء البنية التحتية الجيومكانية الوطنية NGI، وتوحيد الخرائط والمعايير، وتوفير البيانات المكانية الموثوقة التي تحتاجها المدن لكي تبني تجربتها الخاصة. لا نسخة من سنغافورة، ولا محاكاة للندن أو سيول، بل نموذج سعودي فريد يقوم على: قوة البيانات الجيومكانية الوطنية، وفهم السلوك الحضري، والتوأم الرقمي، والنماذج التنبؤية، وسياسات تشغيلية مبنية على مرجع مكاني سيادي.
وأهم ما تعلمنا إياه التجارب العالمية هو أن النجاح لا يأتي من تقليد تجارب الآخرين، بل من فهم منطقها ثم إعادة صياغته بما يناسب الثقافة والاقتصاد والبيئة المحلية. وهذا ما تحققه GEOSA عندما توحد المعايير، وتبني اللغة المكانية الوطنية، وتربط الجهات الحكومية داخل منظومة واحدة تمكن صناعة قرار حضري دقيق.
وبعد هذا الاستعراض لتجارب المدن الكبرى، يقف أمامنا سؤال بالغ الأهمية: كيف تتحول هذه الرؤى العالمية إلى تشغيل داخل المدينة؟ كيف تتحول الخرائط إلى حركة، والرؤى إلى نماذج تشغيل، والمدينة إلى كيان يعمل بالبيانات؟
في المقال القادم: نذهب مباشرة إلى قلب العملية... تشغيل المدينة - كيف تتحول الخرائط إلى حركة سلسة؟










0 تعليق