نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا وحدة الدولة اليمنية مصلحة سعودية كما هي مصلحة يمنية؟, اليوم الأحد 1 فبراير 2026 11:01 مساءً
هل وحدة الدولة اليمنية الحالة المناسبة يمنيا وسعوديا أم أن الانفصال يحقق الصالح العام للبلدين؟ وإضافة السعودية إلى جانب اليمن في هذه القضية ليس إقحاما بل ناتج من تداخل مصالح البلدين؛ لما للحدود الطويلة بينهما (1300 كم) من تأثير في جميع المجالات؛ ولهذا فإن كلا من البلدين عمق للآخر. ومن هنا تأتي هذه المحاولة لاستجلاء هذا الموضوع انطلاقا من الواقع الذي يستدعي التركيز على الاتجاه المناسب، والخيارات الممكنة التي يمكن أن يجني فوائدها البلدان معا.
وعند إلقاء الضوء على الحالتين أو الخيارين الممكن تطبيقهما على الحالة اليمنية - الوحدة أو الانفصال - نجد أن وحدة الدولة اليمنية تحقق العديد من المزايا والمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية للبلدين، وهذا ما تفرضه شخصية اليمن الطبيعية والبشرية، وهذه المجالات تمثل أعمدة الاستقرار عندما تستثمر بالطريقة الصحيحة، ولن تستثمر في اليمن إلا في حالة الوحدة، وفي المقابل فإن الانفصال والعودة إلى ما قبل 1990 تهز هذه الأعمدة وتضعفها سواء في الشمال أو الجنوب.
ففي الجانب الاقتصادي وهو عمدة الاستقرار، نجد اختلاف الموارد ما بين شمال اليمن وجنوبه يؤكد أن الوحدة اليمنية ضامن للتكامل الاقتصادي، حيث يتميز شمال اليمن بالزراعة خاصة الحبوب الأساسية مثل القمح، والذرة بنوعيها الرفيعة والشامية، والدخن، والشعير، بالإضافة إلى البن، وذلك بسبب وجود المرتفعات واعتدال المناخ، وفي حالة استقرار اليمن مع الاهتمام بزراعة البن فسيكون سلعة استراتيجية يمكن أن تجعل اليمن في وضع اقتصادي جيد، بينما الإنتاج الزراعي محدود في الجنوب. وفي المقابل يتميز جنوب اليمن بوفرة الموارد الطبيعية خاصة النفط؛ بينما الشمال لا يحظى بهذه الموارد إلا بشكل محدود.
إضافة إلى الإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية، تأتي السواحل اليمنية التي ستوفر في حالة الوحدة مصدرا اقتصاديا هاما يتمثل في صيد الأسماك، حيث يطل اليمن بطول (1900 كم) على ثلاثة مسطحات مائية تتنوع فيها الأسماك بشكل فريد، وهي: البحر الأحمر، وخليج عدن، وبحر العرب. وبهذا الوضع المتكامل يتحقق الاستقرار الاقتصادي الذي سينعكس إيجابا على الوضع السياسي، والوضع الأمني، واستقرار السكان.
ونتيجة لاختلاف مستوى الموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي بين شمال اليمن وجنوبه؛ فالانفصال سيجعل الشمال في حالة اقتصادية متردية لندرة الموارد الطبيعية، مما سيدفع السكان إلى النزوح والهجرة للخارج. والوضع نفسه سينسحب على الجنوب الذي لا يتمتع بإنتاج زراعي كاف، مما يجعل الاستقرار فيه مسألة بعيدة؛ وهجرة الحضارم تاريخيا شاهد على ذلك بالرغم من أن حضرموت أكبر محافظة يمنية؛ ونتيجة لهذه الأوضاع المتوقعة في حالة الانفصال فإن اليمن سيفرغ شمالا وجنوبا من سواعد بنائه وهم الشباب، وستتضاعف معاناته، وستتجاوز حدوده إلى دول الجوار. وهنا تبرز فوارق الإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية كعوامل تجعل وحدة الدولة اليمنية في منتهى الأهمية.
ومن زاوية أخرى يوجد تباين صارخ بين شمال اليمن وجنوبه بالنسبة لعدد السكان، حيث يقدر عدد سكان اليمن الشمالي بما يقارب 25 مليون نسمة، بينما عدد سكان الجنوب يقارب 5 ملايين نسمة. ثم تأتي المساحة على النقيض تماما من عدد السكان؛ إذ تبلغ مساحة شمال اليمن (195000 كم2)، بينما مساحة جنوب اليمن (332970 كم2)، وبالتالي فإن اليمن الموحد يضمن امتصاص زيادة السكان في الشمال، ويقلص الهجرة غير الشرعية إلى الخارج، ويغطي قلة السكان وكبر المساحة في الجنوب؛ مما سيؤدي إلى التوازن والتناسب بين المساحة وعدد السكان فلا كثافة سكانية عالية في الشمال، ولا تخلخل سكاني في الجنوب، وهنا يبرز عامل آخر داعم للاستقرار.
أما ما يخص الوضع السياسي في حالة الانفصال بين الشمال والجنوب؛ فستبرز نزاعات على الحدود يصعب التعامل معها، وهي حدود متداخلة، وهذا النوع من النزاعات قد حصل قبل الوحدة وقامت حرب بين الشمال والجنوب عام 1987 نتيجة الخلاف على الحدود، كما أن بعض المحافظات الشمالية والجنوبية قد تداخلت بعد الوحدة مثل محافظة البيضاء؛ وهو ما سيزيد من حتمية النزاعات التي سيلهبها الانفصال.
ومن جانب آخر ستظهر نزاعات وحروب داخلية في كل من الشمال والجنوب في حالة الانفصال؛ ففي الشمال سيكون الحوثي في وضع أفضل لأن الانفصال سيجعله قادرا على السيطرة على الشمال محدود المساحة. وخطورة الحوثي لا تقف عند الداخل اليمني؛ ولكنها ستمتد أكثر مما هو عليه الحال إلى الخارج؛ فالحوثي لا يمثل امتدادا للوضع المذهبي الزيدي المعتدل، إذ إن المذهب الجارودي هو المذهب الذي يتبناه ويؤكد ذلك ما قاله حسين الحوثي صراحة في حق الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
والجارودية أقرب فرق الزيدية للمذهب الاثني عشري في إيران، علاوة على تأثير إيران على الحوثي من خلال استلهام مفهوم الثورة، وإقامة مراسم عاشوراء التي لم تكن معروفة في اليمن، ومن ثم سيبقى متحالفا معها ومدعوما منها، وسيبقى على حالة عدائية مع المملكة، ومع غالبية الشعب اليمني. ومن يعتقد أن الحوثي سيجنح للحوار، والجلوس على الطاولة، والمشاركة السياسية، لا يدرك عمق البعد الطائفي والأيديولوجي الذي يشكل مبادئه وقناعاته.
وفي الجنوب ستثور صراعات بين أبناء الجنوب، إذ إن هناك ثارات داخلية من أيام حكم الحزب الاشتراكي لم تندمل حتى اليوم، ونتذكر هنا ما حدث من نزاع مسلح داخل أجنحة الحزب الاشتراكي عام 1986 الذي تحول لحرب أهلية قتل فيها الآلاف، وخلف الكثير من الثارات بين أبناء الجنوب. وقد أكد الرئيس الأسبق لليمن الجنوبي علي ناصر محمد في مقابلة حديثة، أن انفصال جنوب اليمن سيفجر نزاعات في الجنوب يصعب التعامل معها؛ وهو الخبير بأحوال جنوب اليمن ومشكلاته، وكان طرفا في أزمة 1986؛ ولهذا فهو ينادي بأهمية الوحدة اليمنية. ويمكن القول في هذا السياق إن اليمن الجنوبي في حالة الانفصال سيكون مهيأ للتشظي والنزاعات الحادة كما حصل في جنوب السودان بعد انفصاله عن السودان.
أيضا في حالة الانفصال سيبقى شمال وجنوب اليمن هدفين سهلين للقوى الإقليمية المتربصة الداعمة لحركات الانفصال في الدول العربية. وسيشكل اليمن في هذه الحالة ممرات للتسلل والتهريب والهجرة غير الشرعية من اليمن نفسه، ومن دول القرن الأفريقي إلى المملكة. كما أن الانفصال سيجعل اليمن دولتين أقرب للدول الفاشلة، مما سيزيد من معاناة اليمنيين التي ستصل آثارها السلبية إلى المملكة، وسيكون الوضع مشابها إلى حد بعيد للسودان بعد انفصال الجنوب، حيث فقد السودان الموارد الطبيعية خاصة النفط، وفقد جنوب السودان الساحل البحري، وأصبح دولة حبيسة.
الوحدة اليمنية مع تكريس العدالة والمساواة بين الشمال والجنوب ستضمن استقرار اليمن، ولكن من خلال الوحدة الفيدرالية؛ وليس بالوحدة الاندماجية كما حصل عام 1990، وستكون الوحدة مصدا للأطماع الخارجية؛ وهي كثيرة لأهمية موقع اليمن الجيوسياسي؛ وسيصبح الحوثي أقلية سكانا ومساحة، مما سيجعله عاجزا عن السيطرة على اليمن الموحد؛ وبالتالي تكون مواجهة مشروعة ممكنة في ظل اتحاد اليمنيين وعدم وجود حاضنة له في الجنوب.
إن استقرار اليمن الذي تحققه الوحدة بلا ريب؛ سيصب في مصلحة المملكة التي تحملت كثيرا أعباء عدم استقرار اليمن لعقود طويلة، كما سيصب في مصلحة اليمنيين شمالا وجنوبا، الذين عانوا كثيرا منذ أيام الاستقلال حتى الآن.
moslehmoied@










0 تعليق