نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من وحدة الماعون إلى اغتراب الميكرويف, اليوم الخميس 5 فبراير 2026 11:31 صباحاً
في البدء كان (الصحن الواحد) ولم يكن مجرد آنية لقمع الجوع بل كان مركزا للدائرة التي يلتئم عندها شتات الروح قبل الجسد.
كان (الصحن الواحد) يمثل وحدة الوجود الاجتماعية، حيث تنصهر (الأنا) الفردية في (نحن) الجماعية، في ذلك الزمن كانت المائدة مقدسا مدنيا يصاغ فيه العقل الجمعي فما يستساغ على المائدة يستساغ في الحياة، وما ينكر عليها يصبح منكرا في الأخلاق!!
بانقلاب الآلة من الزمن الدائري إلى تغلغل تقنيات التسخين الفردي كالميكرويف انكسر طوق المائدة الجامعة!!
هنا نلمس لعنة التقنية التي حذر منها هايدغر، حين تتحول الأشياء من كائنات لها حرمة إلى مجرد مخزون جاهز للاستهلاك.
لقد فكك الميكرويف الزمن الجماعي فلم يعد للأب توقيته المحوري ولا للأم لمستها الجامعة، وصار الوقت لا قيود عليه، وبانكسار وحدة الوقت انكسرت وحدة القيمة.
إن التحول من الصحن الواحد إلى الميكرويف الفردي والبوفيه المفتوح هو تجسيد لما أسماه زيجمونت باومان بالحداثة السائلة في الماضي، كانت القيم صلبة لأن المائدة كانت واحدة.
كان الكرم ثابتا كالجبال والصدق صراطا مستقيما.
أما اليوم وفي ظل نسبية الميكرويف تشظت الموازين:
الكرم استحال من فضيلة الجود إلى فلسفة الاستعراض، فالمهم هو ما تراه الشاشات لا ما تباركه الأرواح.
البر: عند البعص سقط من مقام الواجب الوجودي إلى مقام المنفعة المتبادلة، وانحدر من مقام الدين الوجودي إلى مقام النافلة المزاجية!!
الحقيقة: لم تعد شمسا تضيء للجميع بل صارت شمعة يحملها كل فرد في غرفته المظلمة، فالعيب أصبح نسبيا والكذب صار مناورة ذكية حتى وصل التناقض إلى حد أن ما يعد مروءة عند أحدهم يراه الآخر حماقة لا تليق بالعصر!!
البيوت المأهولة بالفراغ: نحن نعيش اليوم في مساكن شاسعة لكنها ضيقة بساكنيها يسكنها أشباح يقتسمون السقف ويختلفون في القبلة.
لقد صدق ابن خلدون حين أشار إلى أن الترف يفسد العصبية (الرابطة)، واليوم أفسد ترف الخيارات عصبية المعنى.
إن استقلال كل فرد بوجبته هو إعلان مبطن عن استقلاله بنظامه الأخلاقي الخاص مما حول الأسرة من وحدة عضوية إلى شركة مساهمة لا يجمع بين أطرافها إلا العقد لا الود!!
إن مأساة الإنسان المعاصر تكمن في أنه استبدل دفء الجماعة بحرارة التقنية
لقد أكلنا من أطباق شتى حتى ضاعت منا نكهة (الحقيقة الواحدة) إن وحدة الماعون كانت هي الحارس لوحدة المعيار، وحين استباح كل فرد لنفسه أن يكون مسؤولا عن صحنه وملعقته فقط.
خسرنا البوصلة التي كانت تدلنا على الرشد! نحن اليوم جياع على مآدب حافلة ليس لنقص في القوت بل لفقر في المعنى الذي لا يباع في المتاجر بل يصنع بالاجتماع على طبق واحد.. وقلب واحد!!
أيها التائهون في ممرات الحداثة الباردة، العائدون من صقيع الانعزال بوجباتكم الفردية.. ليس النداء اليوم أن نكسر الآلة بل أن نسترد الإنسان الذي غيبه وهجها، إن العودة إلى الصحن الواحد ليست نكوصا للماضي بل هي فعل مقاومة ضد تشظي الروح، هي محاولة لإعادة بناء المركز في بيوت كادت أن تصبح فنادق بلا ملامح.
لنعد للمائدة هيبتها وللوقت الجماعي قدسيته ولنجعل من اجتماعنا على القوت تمردا على (سيولة القيم)، فالبر لا يزهر في العزلة والحقيقة لا تبصرها عين لا ترى وجوه الآخرين.
إننا بحاجة لأن نقتسم الملح لنستعيد العهد، وأن نطفئ ضجيج الشاشات لنسمع همس الأرواح، ففي المعية يكمن الرشد وفي اجتماع القلوب حول صحن واحد تصان المروءة من الزوال.
لتكن بيوتنا مأهولة بنا لا بالأشياء، ولنجعل من موائدنا صراطا يربط شتاتنا، فما زالت هناك فرصة لنكون جسدا واحدا لا مجرد أرقام تتقاسم السكن وتفتقد السكينة.
_shaas_@







0 تعليق