نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المنكوبون من نهش الخرائط, اليوم الخميس 8 يناير 2026 01:12 صباحاً
تفكيك المجتمعات جريمة. لا يفرح من نزف الحدود إلا مستفيد، أو معتوه؛ أو أحمق. وربما مجرم. والأجدر أنه كذلك. وحامل مشرط تقسيم الخرائط شخص منبوذ.
التاريخ مليء بتجارب التقسيم الفاشلة. حين تفككت شبه الجزيرة الكورية عام 1953، ما النتيجة؟ حالة عدائية دائمة بين دولتين (شمالية وجنوبية). وسباق تسلح نووي. وتشتت إنساني قوامه عائلات فرت من هنا وهناك.
نشأ عن تجربة تقسيم يوغوسلافيا عام 1991، عدة دول. (صربيا، وكرواتيا، والبوسنة، وكوسوفو). بعدها دخلت تلك البقعة من العالم، في موجات مذابح وتطهير عرقي. الحصيلة؛ مئات آلاف القتلى والمهجرين والفارين من صراع لا يرحم.
قبرص على سبيل المثال، انقسمت إلى شطر تركي، وآخر يوناني في 1974. اليوناني معترف به دوليا. التركي لا تعترف به إلا أنقرة. وهو اعتراف غير مؤثر. ما المحصلة؟ سيادة منقوصة،، واقتصاد فاشل ومجتمع بانتماء مهزوز.
لدينا تجربة قريبة، السودان تم تقسيمه ودخل في دوامة، لم يحقق انفصال الجنوب السوداني عن الشمال سلاما عادلا، ولا استقرارا، ولا تنمية. أنتج دولة فاشلة، وفتح الأبواب على مصراعيها للحروب الأهلية الداخلية، والصراعات القبلية والإقليمية، وانهيار اقتصادي وإنساني. واستقدم حالة توتر بين الدولتين المنفصلتين.
ما أردت الوصول إليه من خلال التذكير بأفكار التقسيم السابقة، ما يحدث في جمهورية الصومال، بعد طرح فكرة انفصال «صوماليلاند»، التي لم ينظر لها إلا من قبل تل أبيب، بينما رفضها العالم عن بكرة أبيه.
الحقيقة أن ذلك المقترح الذي يعتقد أربابه أنه أخذ منحى جديا؛ يعاني من ثغرات لا يغطيها اعتراف الكيان الصهيوني، باعتباره الوحيد الذي هرول للاعتراف بصوماليلاند. ما هي الثغرات؟
أولا: معاداة الصف العربي والشذوذ عنه. ثانيا: افتقاد الاعتراف والشرعية. ثالثا: عزلة اقتصادية وسياسية إقليميا ودوليا. رابعا: عدم وجود دولة أم منهارة تستدعي الانفصال، يجعل ذلك الكيان معلقا، ويفقده التعاطف السياسي والاقتصادي، والشعبي على مستوى الداخل الصومالي والأفريقي برؤية جامعة.
السؤال: ما مكاسب الانفصال إذن؟ لا شيء. وماذا عن الخسائر؟ عديدة: دولة بلا سيادة، اقتصاد هش، تشتت اجتماعي، نزاعات حدودية وقبلية، تباعد إقليمي ودولي، خشية تشجيع مزيد من الانفصالات في القارة السمراء. حكم أمر واقع. وهذا مثير للريبة ومنفر من الناحية السياسية.
حسنا؛ لماذا سارعت تل أبيب لتأييد صوماليلاند؟ لتحقيق خسارة صوت عربي مسلم. فالصومال دولة تنتمي عضويا في الجامعة العربية. ومنظمة التعاون الإسلامي. ومن الناحية الجيوسياسية، ترى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الموقع الإقليمي الاستراتيجي للصومال صيدا ثمينا، كونه ساحة مفتوحة يمكنه من خلالها تهديد الأمن الإقليمي، وحركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يعد ضمن أهم الممرات البحرية العالمية. والسيطرة على مثل هذا المنفذ يعد كشفا قريبا للدول المطلة على البحر الأحمر.
برأيي، إذا تم استيعاب ذلك الخطر، يمكن فهم الرفض السعودي لإعلان الاعتراف المتبادل بين دولة الاحتلال، وإقليم أرض الصومال، وذلك حسب ما تراه الرياض، تكريسا لإجراءات أحادية انفصالية، وبناء كيانات موازية تتعارض مع وحدة الدولة، وتخالف القانون الدولي.
صانع القرار السعودي، وجد أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ممارسة عدوانية، وتهديد لسلامة الأراضي الصومالية، وانتهاك صارخ للمبادئ المستقرة للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، الذي أكد على الحفاظ على سيادة الدول، ووحدة وسلامة أراضيها.
ورفض المملكة الذي تكرر مرتين، في مجلس الوزراء الأسبوع المنصرم، وبيان صادر عن وزارة خارجيتها، ينبثق من دورها القيادي في تعزيز أمن واستقرار المنطقة، والتصدي لأي محاولات لزعزعة أمن واستقرار دولها.
والاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند في شكله ومضمونه، لا يهدد سيادة ووحدة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية فحسب، بل يشكل خطرا على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر؛ نظرا للأوضاع الجيوسياسية المعقدة في المنطقة، وما تمثله من أهمية بالغة لأمن الاقتصاد العالمي، وحركة التجارة العالمية، بالإضافة إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وسلامة الملاحة البحرية.
يجب أن يستوعب الراغبون في تفكيك الدولة الصومالية، أن تل أبيب لن تحقق أهدافهم، ولا سيما أنها في أصلها من الناحية القانونية، تحرم عليهم عقد أي اتفاقية مع أي طرف خارجي، أو الاعتراف من قبل أي دولة أخرى، وسلب الإرادة السيادية المخولة للحكومة الفيدرالية بمقديشو.
يجب أن تتم قراءة الموقف الصهيوني وفق سياقه الصحيح. القرار اتخذ من قبل بنيامين نتنياهو. يريد صناعة دور وظيفي للراغبين في الانفصال الصوماليين، للقيام نيابة عنه، وفق أجندات مشبوهة، بانتهاك الأعراف والقوانين الدولية، وعدم احترام سيادة الدول، والتدخل في شؤونها الداخلية.
إن الانفصال لا يصنع دولا قوية. الدول تبنى بالقانون والمؤسسات والاقتصاد واللحمة الوطنية والوحدة. تحويل الصومال لبؤرة صراع ومساحة للنفوذ الخارجي، لن يحقق مصلحة أحد، بل إنه يعزل جزءا منها عن محيطها.
المستفيد: السفاح قاتل أطفال غزة. الثمن: الانبطاح تحت أقدامه، وخسارة القيمة السياسية والأخلاقية.
أولئك الأغبياء، سيلعنهم التاريخ، والأرض ومن عليها.
والمنكوبون.. من نهش الخرائط.


















0 تعليق